أحمد زكي صفوت

124

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

فإنه ليس يتمنى المتقدمون قبلكم إلا هذا المهل المبسوط لكم ، واحذروا ما حذّركم اللّه ، واتقوا اليوم الذي يجمعكم اللّه فيه لوضع موازينكم ، ونشر صحفكم الحافظة لأعمالكم ، فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما يثقل به ، وما يملّ « 1 » في صحيفته الحافظة لما عليه وله ، فقد حكى اللّه لكم ما قال المفرّطون عندها ، إذ طال إعراضهم عنها ، قال : « وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ، ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً » ، وقال : « وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ « 2 » لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ » ، ولست أنهاكم عن الدنيا بأعظم مما نهتكم الدنيا عن نفسها ، فإنّ كل ما بها ينهى عنها ، وكل ما فيها يدعو إلى غيرها ، وأعظم مما رأته أعينكم من عجائبها ذم كتاب اللّه لها ، ونهى اللّه عنها ، فإنه يقول : « فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ، وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ » ، وقال : « إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ . . الآية » ، فانتفعوا بمعرفتكم بها ، وبإخبار اللّه عنها ، واعلموا أن قوما من عباد اللّه أدركتهم عصمة اللّه فحذروا مصارعها ، وجانبوا خدائعها ، وآثروا طاعة اللّه فيها ، فأدركوا الجنة بما تركوا منها » . ( عيون الأخبار م 2 : ص 255 ؛ والعقد الفريد 2 : 148 ) 116 - خطبة ابن طباطبا العلوي وخطب محمد « 3 » بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم طباطبا بن الحسن بن الحسن بن علىّ بن أبي طالب ، حين انتهب قائد جيوشه أبو السرايا السّرىّ ابن منصور قصر العباس بن موسى بن عيسى ، فقال :

--> ( 1 ) يملى . ( 2 ) القسط : العدل : مصدر وصف به المبالغة أو ذوات القسط . ( 3 ) خرج بالكوفة لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة 199 ه يدعو إلى الرضى من آل محمد ، والعمل بالكتاب والسنة ، وكان القيم بأمره في تدبير الحرب ، وقيادة جيوشه أبا السرايا السرى بن منصور وكان سبب خروجه صرف المأمون طاهر بن الحسين عما كان إليه من أعمال البلدان التي افتتحها ، وتوجيهه إلى ذلك الحسن -